أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
71
التوحيد
الأشياء من الإدراكات البسيطة وهي الأعراض والصفات والأعيان المركبة وهي الأجسام ، وباللّه المعونة . وبعد ، فإنّا لما وجدنا جميع ما يعاين من العالم مضطرا عاجزا عن تدبير نفسه ، جاهلا ببدء حاله وبمقدار الأخذ في كل أحوال من الزمان والمكان فيه يتقلب وبه يكون مجتمعا فيه الأضداد التي هي بحق الطباع متنافرة ، عقل أنه لا كان بنفسه ، وعقل أن الذي دبّره وقدّره كان له به علم وعليه قدرة ؛ إذ خرج على احتمال الاتفاق لذاته ، ولا على دلالة قوة له بنفسه ، وعلم بحاله ، فلا بد من تحقيق المعنى الذي في الشاهد دليله ؛ إذ لا وجه لمعرفته إلا به . وكذلك لو كان ذلك بتدبير من دونه فإليه يرجع الأمر الأول ، وفي ذلك كله ما ذكرنا . وقالت الباطنية وهم الذين يصرفون المذكور من الأسماء إلى المبدع الأول والثاني نحو العقل والنفس ، ويجعلون كل العالم مبروزا في العقل ، تستمد منه النفس فيمد الهيولى ، يقولون : كان العقل بالإبداع ، والإبداع علّته ، مبروز فيه كل شيء يكون ، ومحال أن يبرزه بالإبداع من لم يعلم ما يكون أو من لا يقدر على أن يبرزه أو من لا يريد أن يكون مبروزا ، فيخرج الإبداع منه خروج فعل ذي طبع من حيث لا يشعر به ولا يعلمه ولا يوصف بالقدرة عليه ، فيكون اللّه تعالى عنده - في نفي الصفات عنه والأسماء كراهية التشبيه - يصير في حد التعطيل ، ويصير بحيث لا شيء عليه بدليل ، ويحصل القول منه على التقليد ، وذلك بعيد ، واللّه الموفق . مع ما يقال : " اللّه " اسمه أو هو اسم غيره ، فيرجع في الحقيقة إلى أنه اسم العقل ، والرحمن اسم النفس ، وعلى هذا مذهبهم . وأبوا الاسم كراهة التشبيه ، ثم جعلوا المعبود باسم الإله ، والرحمن والرحيم أغيارا لا يحصى عددهم ، وأجزاء يصعب إحصاؤهم ، فكأن الرسل جاءوا عندهم بعبادة العدد لا بالتوحيد ، واللّه المستعان . ثم يقال لهم عند قولهم ليس له اسم ، ما تعنون بقولكم ليس له اسم ذاتي ولا صفة ذاتية ؟ فلا يجدون السبيل إلى أن يعبّروا عن أنفسهم بما قالوا ليس له اسم ، ويبطل جملتهم الذي قالوا : اللّه الذي ليس له اسم ذاتي ، ثم زعموا أن له اسما من غيره نحو المبدع بإبداع هو علّة لمبدع هو العالّ لا المعلول ولا علّة ؛ لأن كل معلول يجوز أن يصير علّة محال . فيقال له إذ جعل اسمه عن غيره : أكان ما حقق له غيره ذلك الاسم أو سمّي به ؟ فإن قال : لا ، له أن يسمّيه ما شاء من الأغيار ، والعلة والمعلول ؛ إذ بغيره استحق ، لأنه كذلك يقول : كان ولا علة ولا معلول ، فإذا هو قول كان بحق المجاز لا بالحقيقة بالضرورة ، فأوجب هذا الاسم له غيره من غير أن كان منه ما استوجب . فإن قال :